رغم وعود الاستقلالية.. لماذا لا يزال الذكاء الاصطناعي الوكيلي بحاجة إلى البشر؟

تسود خطابات عن وكلاء ذكاء اصطناعي سيحلّون محل البشر كليًا. لكن أرقام 2026 تقول شيئًا مختلفًا: 87% من المؤسسات تُبقي الإنسان داخل دائرة القرار. لماذا؟ وإلى متى؟

في السنوات الأخيرة، تكرّر على ألسنة صانعي الذكاء الاصطناعي وعد واحد: الوكلاء الذكيون لن يكتفوا بمساعدة البشر — بل سيعملون بدلًا منهم. سيتولّون المهام، يتخذون القرارات، يديرون البيئات الرقمية المعقدة. الإنسان سيصبح خارج «دورة التشغيل اليومية».

لكن الأرقام لا تكذب: تقرير «نبض الذكاء الاصطناعي الوكيلي 2026» الصادر عن شركة Dynatrace يكشف أن 87% من المؤسسات تستخدم وكلاء ذكيين يعملون ضمن أطر إشراف بشري، وأن 69% من قرارات هذه الأنظمة لا تزال تخضع للتحقق البشري. وعد الاستقلالية الكاملة ظل وعدًا — أكثر منه واقعًا.

من أداة تستجيب إلى وكيل يتصرف — ما الفرق؟

الذكاء الاصطناعي التوليدي التقليدي يستقبل أمرًا ويُنتج ردًا. الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI) مختلف جوهريًا: هو يُفسّر هدفًا، يختار استراتيجية، يُنفّذ سلسلة من الإجراءات لتحقيق النتيجة — وأحيانًا يُعدّل مساره في الطريق. هو أقرب إلى «منفذ رقمي» منه إلى مساعد يجيب على أسئلة.

إليانور واتسون، الباحثة في معهد IEEE، تُعبّر عنه بدقة: «هذه الأنظمة باتت قادرة على متابعة الأهداف عبر مدى زمني طويل وتعديل سلوكها وفقًا للظروف المتغيرة». هذا التحول أثار توقعات ضخمة — وكشف في الوقت ذاته عن تحديات أعمق مما كان متوقعًا.

لماذا لم يختفِ الإنسان من الحلقة؟

الجواب ليس تقنيًا فقط. حسام الدين الأسود، الرئيس التنفيذي لشركة National Quantum وخبير تكنولوجيا المعلومات، يضع يده على جوهر المسألة: «إذا اتخذ الوكيل قرارًا ذاتيًا خاطئًا تسبّب في كارثة أو خسارة، من سيتحمل المسؤولية؟ لا يمكنك مقاضاة خوارزمية».

هذا هو الجدار الصلب: المساءلة القانونية والأخلاقية. المؤسسات التي تربط وكلاءها الذكيين بقواعد بيانات حساسة أو أنظمة مالية لا تستطيع التخلي عن الإنسان بوصفه «صمام أمان» أمام الجهات الرقابية. لا لأن التكنولوجيا قاصرة — بل لأن البنية القانونية والتنظيمية لم تتكيّف بعد مع الواقع الجديد.

واتسون تُضيف بُعدًا آخر: الأطر التنظيمية الحالية صُمّمت للبرمجيات التقليدية، حيث سلسلة المسؤولية واضحة — الإنسان يقرر والآلة تُنفّذ. لكن الأنظمة الوكيلة تفسّر الأهداف وتختار الاستراتيجيات بنفسها، مما يُربك هذا التصور من الأساس.

التحدي «العلائقي»: ما طبيعة هذه الأنظمة؟

واتسون تطرح سؤالًا محوريًا يلخّص الإشكالية كلها: «هل هذه الأنظمة أدوات، أم مندوبون، أم شركاء في اتخاذ القرار؟» الإجابة ستُحدد شكل المسؤولية القانونية، ومتطلبات التدقيق، وحتى معنى «الموافقة المستنيرة» حين يتصرف وكيل ذكي نيابةً عن المستخدم.

وهذا السؤال لا يزال بلا جواب مؤسسي واضح في 2026. المؤسسات تتقدم على الصعيد التقني بوتيرة أسرع مما تتطور نماذج الحوكمة والمساءلة. الفجوة هذه هي ما يُبقي الإنسان في الدائرة — ليس لأن الآلة لا تستطيع، بل لأن المجتمع لم يقرر بعد ما يُريد أن تكون عليه هذه العلاقة.

الإشراف البشري ليس شيئًا واحدًا

دراسة نشرها الباحثان هانجينغ شي ودومينيك دي فرانزو تكشف أن مفهوم «الإشراف البشري» ليس مفهومًا واحدًا — بل يختلف باختلاف السياق. في مجتمعات نشر الأنظمة الوكيلة وتشغيلها، المخاوف تتمحور حول «مخاطر الفعل»: ماذا يحدث إذا نفّذ الوكيل إجراءً خاطئًا؟ أما في مجتمعات التفاعل الاجتماعي مع هذه الأنظمة، فالمخاوف حول «مخاطر المعنى»: الشرعية، المساءلة، تأثير القرارات على المجتمع.

النتيجة: لا توجد «وصفة إشراف» واحدة. بعض البيئات تحتاج ضوابط تنفيذية، وأخرى تحتاج ضوابط أخلاقية واجتماعية. الخلط بينهما — وهو ما يحدث كثيرًا — يُنتج أنظمة حوكمة ناقصة.

من المشرف إلى المايسترو: الدور البشري يتغير

الأسود يرى أن الاتجاه الطبيعي هو الانتقال من «التدقيق اللصيق» — مراجعة كل قرار — إلى نموذج إشراف وحوكمة. الأنظمة الذكية تؤدي المهام المتكررة والمعقدة، بينما البشر يضعون الأهداف والحدود ويتدخلون في الاستثناءات. الإنسان يتحول إلى «مايسترو» ينسّق عمل الأنظمة لا منفّذًا لكل خطوة.

واتسون تذهب أبعد: النموذج المستقبلي ليس «رقابة أو غياب» بل «رقابة أو شراكة». النماذج الحالية لـ «الإنسان داخل الحلقة» تُنتج مشغلًا مُرهقًا يوافق على قرارات لا يفهمها بالكامل — وهذا ليس إشرافًا حقيقيًا. هي تدعو إلى قيود دستورية واضحة تحدد ما تستطيع الأنظمة فعله وما لا تستطيعه، وبناء تعاون إنسان-آلة حقيقي حيث يساهم كل طرف بما يُجيده.

في النهاية، معطيات 2026 تقول: الاستقلالية الكاملة وعد مؤجّل لا واقع قائم. التحدي الحقيقي لم يعد بناء وكلاء أكثر قدرة، بل بناء أنظمة يمكن الوثوق بها ومساءلتها. وحتى يتحقق ذلك — تقنيًا وقانونيًا وأخلاقيًا — يبقى الإنسان الجهة التي تتحمل المسؤولية النهائية. ليس عجزًا في التكنولوجيا، بل عجزًا في الحوكمة. وهذا فارق جوهري.

المصدر: الجزيرة نت — 14 يونيو 2026

No comments yet