النظام الضريبي الحديث قائم على افتراض بسيط: البشر يعملون، يكسبون، يدفعون ضرائب. ضريبة الدخل وحدها تُشكّل الحصة الأكبر من إيرادات معظم حكومات العالم. لكن ماذا يحدث حين يؤدي الذكاء الاصطناعي جزءًا متزايدًا من هذا العمل — بلا راتب، وبالتبعية بلا ضريبة دخل؟
هذا ليس سؤالًا نظريًا. طفرة الذكاء الاصطناعي التي نعيشها في 2026 — مع انتشار الوكلاء الذكيين في قطاعات المحاسبة والقانون والبرمجة والخدمات — تُثير تساؤلات جدية حول مستقبل النظام الضريبي العالمي وإمكانية إعادة توزيع مكاسب هذه الثورة.
العقد الضريبي المكسور: كيف بنينا الدولة الاجتماعية على العمل البشري
تخيّل اقتصادًا حيث 40% من المهام المعرفية يؤديها الذكاء الاصطناعي. هذا يعني 40% أقل من دافعي الضرائب على الدخل — في حين أن احتياجات الدولة للإنفاق الاجتماعي قد ترتفع، لا تنخفض، مع إزاحة عمال من وظائفهم.
الحكومات تعتمد على ثلاثة مصادر رئيسية: ضريبة الدخل (الأجور)، ضريبة أرباح الشركات، وضريبة الاستهلاك (القيمة المضافة). الذكاء الاصطناعي يضرب المصدر الأول مباشرة، ويُقلّص الثاني عبر تركيز الأرباح في شركات تقنية تُحسن التخطيط الضريبي، بينما ضريبة الاستهلاك تبقى محدودة لأنها تعتمد على إنفاق من لديهم دخل.
مقترح ضريبة الروبوت: هل هي الحل؟
بيل غيتس طرح الفكرة قبل سنوات: إذا كان الروبوت يُنجز عمل إنسان يكسب 50,000 دولار سنويًا، فلماذا لا تدفع الشركة ضريبة مماثلة على هذا الروبوت؟ الفكرة بسيطة وجذابة — لكن تطبيقها شائك.
أولًا: كيف تُعرّف «الروبوت» أو «الذكاء الاصطناعي» للأغراض الضريبية؟ هل كل برنامج يُؤتمت مهمة خاضع للضريبة؟ هذا يعني فرض ضريبة على الآلة الحاسبة. ثانيًا: ضريبة الأتمتة قد تُبطئ الإنتاجية وتضرب القدرة التنافسية للاقتصادات التي تتبناها. الشركات ستنتقل ببساطة إلى دول لا تطبّقها.
الاتحاد الأوروبي ناقش الفكرة في 2017 ورفضها. كوريا الجنوبية طبّقت نسخة منها عبر تقليص الإعفاءات الضريبية على الاستثمار في الأتمتة. لكن لا يوجد حتى الآن نموذج ناجح وقابل للتوسع.
الخيار البديل: فرض ضريبة على مكاسب الذكاء الاصطناعي لا على الذكاء الاصطناعي نفسه
بعض الاقتصاديين يرون أن المشكلة ليست في الأتمتة بحد ذاتها، بل في أن مكاسبها تتركّز في أيدي الملاك دون أن تُعاد توزيعها. الحل إذن ليس ضريبة على الروبوت — بل ضريبة أعلى على أرباح رأس المال وثروات الملاك الذين يجنون من الأتمتة.
هذا أسهل للتطبيق من الناحية التقنية — لكنه يواجه مقاومة سياسية ضخمة. الشركات التقنية هي من أكبر اللاعبين في تمويل الحملات الانتخابية وتشكيل السياسات في أكبر اقتصادات العالم.
الدخل الأساسي الشامل: هل الجواب في التوزيع لا في الضريبة؟
سام ألتمان، والمفكرون المؤيدون للدخل الأساسي الشامل (UBI)، يطرحون رؤية مختلفة: بدلًا من مقاومة الأتمتة، أعد توزيع مكاسبها. كل مواطن يتلقى دخلًا أساسيًا يُموَّل من ضريبة على أرباح الذكاء الاصطناعي — شيء يشبه «أرباح مساهمين في حضارة الأتمتة».
الفكرة جذابة نظريًا. لكن التجارب المحدودة للدخل الأساسي — فنلندا، كينيا، بعض المقاطعات الأمريكية — تُظهر نتائج مختلطة. وتبقى إشكالية التمويل: من أين يأتي المال بالحجم الكافي؟
السؤال الأعمق: هل تستطيع الأنظمة الضريبية الوطنية مواجهة تحديات عابرة للحدود؟
الذكاء الاصطناعي لا يعرف حدودًا. نموذج لغوي يعمل على خوادم في أيرلندا، مطوَّر في أمريكا، مُدرَّب على بيانات عالمية، يُنجز عمل موظف في مصر. أي دولة تجمع الضريبة؟
التوافق الدولي حول الضريبة على الشركات الرقمية — الذي استغرق عقودًا من التفاوض — يُظهر مدى صعوبة هذه المعادلة. والذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدًا من أي قطاع رقمي سابق.
طفرة الذكاء الاصطناعي ليست مجرد ثورة تقنية — إنها اختبار لمتانة العقد الاجتماعي الذي بنت عليه الدول الحديثة نفسها. إذا كانت الثروة ستتركّز في أيدي من يملكون الذكاء الاصطناعي، والعمل سيتراجع كمصدر للدخل الشعبي، فإن السؤال ليس «من سيدفع الضرائب» فقط — بل «كيف تبقى الدولة ذات معنى لمواطنيها». وهذا سؤال سياسي قبل أن يكون سؤالًا اقتصاديًا.
المصدر: الجزيرة نت — 13 يونيو 2026
No comments yet