الحروب الذكية.. حين تصبح الخوارزمية جلاداً بلا ضمير

إسرائيل استخدمت نظامَي «لافندر» و«الإنجيل» لتحديد أهداف اغتيال بقرارات خوارزمية شبه مستقلة. Blue White Robotics انتقلت إلى يد Elbit Systems. وأمام هذا كله، يبقى السؤال: من يحاسَب حين تخطئ آلة القتل؟

في عام 2024، نشر صحفيو «+972 Magazine» و«Local Call» تحقيقًا مفصّلًا كشف أن الجيش الإسرائيلي استخدم نظامًا يُسمّى «لافندر» لتحديد ما يصل إلى 37,000 فلسطيني بوصفهم أهدافًا محتملة للاغتيال — مع نسبة خطأ يقرّ بها مشغّلوه أنفسهم تصل إلى 10٪. ونظام مواكب يُسمّى «الإنجيل» يحدّد الأبنية والهياكل المرتبطة بهؤلاء الأهداف لتدميرها.

الأمر لا يتوقف عند الحرب الحالية. إنه يطرح سؤالًا بنيويًا عن مستقبل الحرب كلها: ماذا يحدث حين تصبح قرارات الحياة والموت مُفوَّضة لخوارزمية لا تنام، ولا تتردد، ولا تملك ضميرًا؟

«التحيز نحو الأتمتة»: الجندي يصادق على ما تقوله الآلة

يصف علماء النفس ظاهرة «Automation Bias» — ميل البشر إلى تفضيل توصيات الأنظمة الآلية على حكمهم الشخصي. في السياق العسكري، هذا يعني أن الجندي الذي «يصادق» على هدف طوال 20 ثانية — وهو ما وُصف في التقارير — ليس صانع قرار فعلي؛ بل هو مُصادِق إجرائي على قرار اتخذته الآلة فعلًا.

هذه النقطة بالغة الأهمية، لأن الإطار القانوني الدولي لحروب الاحتلال والاشتباك يشترط «حكمًا بشريًا ذا معنى». لكن هل 20 ثانية ونظام يحمل نسبة خطأ 10٪ يستوفيان هذا الشرط؟

Blue White Robotics: صفقة تعيد رسم خريطة صناعة الروبوتات العسكرية

في الأسابيع الأخيرة، أعلنت شركة Elbit Systems الإسرائيلية — إحدى أبرز شركات الصناعات الدفاعية في العالم — استحواذها على Blue White Robotics، شركة ناشئة إسرائيلية متخصصة في الطائرات المسيّرة المستقلة وأنظمة الروبوتات.

الدلالة: سوق الروبوتات العسكرية لم يعد مساحة للشركات الناشئة المستقلة. الدول والشركات الدفاعية الكبرى تمتصّها بسرعة. وهذا يعني تركّزًا متسارعًا في تقنيات الحرب المستقلة في يد عدد محدود من اللاعبين.

فجوة المساءلة: حين لا يُعاقَب أحد

النظام القانوني الدولي يُحمّل المسؤولية للأفراد الذين يصدرون أوامر بضربات غير مشروعة. لكن حين يتخذ النظام الآلي القرار، ويصادق عليه جندي في ثوانٍ، ويتلقّى المسؤول الأعلى تقريرًا خلاصته «نُفّذت الغارة» — من يُحاسَب تحديدًا؟

هذه الفجوة ليست نظرية. إنها الواقع الذي يعيشه القانون الإنساني الدولي اليوم. المعاهدات الدولية تُفاوَض بشأن أسلحة نووية وكيميائية وبيولوجية، لكن أسلحة AI المستقلة ليست موضع أي معاهدة ملزمة حتى الآن.

الأرقام التي تستحق التوقف عندها

37,000 — عدد الأهداف التي حدّدها نظام «لافندر» بحسب التحقيقات. 10٪ — نسبة الخطأ المُقرَّة. 20 ثانية — الوقت المتاح للجندي لـ«مراجعة» كل هدف. هذه ليست أرقامًا تقنية مجردة — إنها قياس لمقدار ما يتبقى من الحكم البشري في قرار اغتيال إنسان.

لماذا هذا النقاش يتجاوز المنطقة؟

ما يُجرَّب في غزة اليوم — سواء أكان مقبولًا أخلاقيًا أم لا — يُصبح سابقةً تقنية وعسكرية. الجيوش والشركات الدفاعية حول العالم تراقب وتتعلّم. والأنظمة التي تُختبر في ساحات حرب حقيقية تُشكّل ما سيُنشر غدًا في نزاعات أخرى في أماكن أخرى.

هذا هو السبب الحقيقي لمتابعة هذا الملف. ليس فقط بوصفه نزاعًا إقليميًا، بل بوصفه مختبرًا لمستقبل الحرب.

المصدر: الجزيرة التقنية — 13 يونيو 2026

No comments yet