435 مليون عامل: أول معاهدة دولية تحمي عمال المنصات الرقمية

منظمة العمل الدولية اعتمدت أول اتفاقية دولية تنظّم العمل عبر المنصات الرقمية. التاريخي: 435 مليون شخص يعملون عبر Uber وDeliveroo وUpwork وغيرها — معظمهم دون ضمان اجتماعي أو أجر عادل.

تخيّل أنك تعمل لشركة تتحكّم خوارزمياتها في وقت عملك، وجدولك، وأجرك، وتقييمك، لكنها تصنّفك قانونيًا ك«متعاقد مستقل» لتجنّب إعطائك حقوق العامل التقليدية. هذا هو واقع ما يقارب 435 مليون شخص يعملون عبر منصات رقمية حول العالم.

الجمعة الماضي، اعتمدت منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة أول اتفاقية دولية تُنظّم هذا النوع من العمل. خطوة تاريخية — لكن فيها كثير من التفاصيل التي تستحق التمحيص.

ما الفجوة التي تسدّها الاتفاقية؟

اقتصاد المنصات الرقمية نما بسرعة مذهلة خلال العقد الماضي. Uber، Deliveroo، Upwork، Fiverr، وعشرات غيرها — جميعها تعتمد على خوارزميات تتحكّم في من يعمل، وكيف، وبكم، بينما تصنّف هؤلاء العمال ك«متعاقدين مستقلين»، مما يحرمهم في كثير من الأحيان من: التأمين الصحي، معاش التقاعد، الحد الأدنى للأجور، وحق التظاهر.

البنك الدولي قدّر عام 2023 عدد العاملين في اقتصاد العمل الحر عبر الإنترنت بـ 435 مليون شخص — معظمهم خارج نطاق أي حماية قانونية فعلية.

ماذا تقول الاتفاقية؟

اتفاقية «العمل اللائق في اقتصاد المنصات» — هكذا اسمها رسميًا — تشترط على الدول المنضمة لمنظمة العمل الدولية:

• ضمان أجور عادلة: لا تقل عن ما يحصل عليه العاملون في الفئات المماثلة في سوق العمل التقليدي، ومنع الخوارزميات من خفض الأجر تحت الحد الأدنى دون تفسير. ومتطلب التمييز التعسفي تسبيبًا واضحًا.

• شفافية العقد: إلزام المنصات بتزويد العاملين بمعلومات واضحة ومحدثة وسهلة الفهم حول شروط العمل والتعاقد.

• حماية اجتماعية: الدول ملزمة بضمان حصول عمال المنصات على حماية اجتماعية لا تقل عما يحصل عليه العمال المماثلون خارج نظام المنصات.

التوتر الحقيقي: من يعارض ولماذا؟

الولايات المتحدة والهند وبنغلاديش — من بين دول أخرى — دعت إلى تطبيق الاتفاقية «بمرونة تتناسب مع ظروف كل دولة». ممثّل الولايات المتحدة قال صراحةً إن بلاده تدعو إلى «توخي الحذر الشديد» فيما يتعلق باللوائح الإلزامية في القطاعات سريعة التطور.

الحجة المضادة لشركات مثل Uber: العاملون المستقلون «يستمدون قوتهم من روح المبادرة والقدرة على إدارة أعمالهم بحرية». التنظيم الصارم — حسب هذا المنطق — يقيّد ما يمنح العمل الحر جاذبيته.

ما الذي يستحق التمحيص حقًا؟

الاتفاقية لن تدخل حيّز التنفيذ إلا بعد 12 شهرًا من تصديق دولتين عضوين عليها. والترجمة من اتفاقية دولية إلى واقع ملموس تستلزم تشريعات محلية — وهذا يختلف كثيرًا بين دولة وأخرى.

لكن الأهم من الوّجود: الاتفاقية تضع — لأول مرة — معيارًا دوليًا واضحًا: «هذا حق لكل عامل عبر منصة رقمية». وستُلزم الشركات التي تتجاهل هذا الحق بالمحاسبة أمام جهات رقابة لها أسنان.

الصورة الكاملة: الخوارزميات تدير العمل ويجب أن تخضع لقواعد

النقطة التي تستحق الوقوف عندها: الاتفاقية لا تنظّم علاقة العمل فقط — بل تنظّم الخوارزميات.

ثمة نحو 435 مليون شخص تتحكّم خوارزميات غير مديرة بشرياً في وقت عملهم وأجرهم وتقييمهم. الاتفاقية تقول: هذه الخوارزميات نفسها يجب أن تخضع لمعايير عادلة وشفافة — تمامًا كما أي صاحب عمل آخر.

لماذا يهمّك هذا؟

إذا كنت تعمل عبر منصة رقمية — أيا كانت — أو تعرف شخصًا يفعل ذلك، فهذه الاتفاقية تخصك مباشرةً.

وإذا كنت تبني منتجًا رقميًا يعتمد على عمالة حرة، فالبيئة التنظيمية تتغيّر تحت قدميك. ليس خيارًا، بل مسألة وقت تخطيط واستدامة.

وإذا كنت تعتقد أن اقتصاد العمل الحر هو مستقبل سوق العمل — فهذا النقاش يحدد شكله.

المصدر: منظمة العمل الدولية — aljazeera.net

No comments yet